مقالات

الأرض تتحرك من الداخل… وناسا ترصد سرًا موسميًا لا نراه بأعيننا

بقلم الإعلامي سليم ناصر

هل يمكن أن تتحرك الأرض من دون أن نشعر بها؟
الإجابة نعم… لكن ليس بالمعنى الذي قد يخطر في بالنا.
كشفت دراسة حديثة من علماء يعملون مع وكالة الفضاء الأميركية ناسا أن مركز كتلة الأرض يتحرك باستمرار لمسافات صغيرة جدًا، تتغير من موسم إلى آخر، نتيجة انتقال كميات هائلة من المياه والثلوج والجليد والهواء حول الكوكب.
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى بسيطًا، لكن عندما نتحدث عن كوكب بحجم الأرض، فإن انتقال كميات ضخمة من المياه والجليد بين القارات والمحيطات يمكن أن يغيّر موقع مركز كتلتها بمقدار بضعة مليمترات.
الأرض لا تتغير من مكانها… لكن «مركز ثقلها» يتحرك
الأرض ليست جسمًا صلبًا ثابت التوزيع. فمع تعاقب الفصول، تتغير أماكن كميات هائلة من المياه والثلوج والجليد والهواء.
في فصل الشتاء، يتراكم الثلج في مناطق واسعة من نصف الكرة الشمالي. ثم يأتي الربيع والصيف، فيذوب جزء من هذه الكتل وينتقل الماء إلى الأنهار والمحيطات والغلاف الجوي.
وفي مناطق أخرى، تؤدي الأمطار الموسمية إلى تخزين كميات ضخمة من المياه في التربة والأنهار والنباتات، بينما تتغير حركة المحيطات والغلاف الجوي باستمرار.
كل هذه العمليات تعيد توزيع كتلة الأرض، وبالتالي يتغير موقع مركز الكتلة قليلًا.
بضعة مليمترات… لكنها مهمة جدًا للعلماء
قد يبدو تحرك بضعة مليمترات أمرًا لا يستحق الاهتمام.
لكن في عالم الأقمار الصناعية والملاحة والقياسات الجيوديسية، المليمتر الواحد يمكن أن يكون مهمًا جدًا.
تستخدم أنظمة تحديد المواقع والأقمار الصناعية نماذج شديدة الدقة لموقع الأرض وحركتها من أجل تحديد مواقع الأشياء على سطح الكوكب، ومراقبة تغير مستوى سطح البحر، ودراسة حركة القشرة الأرضية، وتتبع التغيرات المناخية والجليدية.
ولهذا يحتاج العلماء إلى معرفة مكان مركز كتلة الأرض بدقة متناهية.
ماذا اكتشفت ناسا؟
استخدم الباحثون بيانات من الأقمار الصناعية وأنظمة تحديد المواقع وقياسات مدارية لرصد التغيرات الدقيقة في مركز كتلة الأرض.
وتشير النتائج إلى أن الحركة الموسمية يمكن أن تصل إلى عدة مليمترات نتيجة تغير توزيع المياه والجليد والهواء.
ومن الأمثلة التي رصدها العلماء أن تراكم الثلوج في أجزاء من أميركا الشمالية وأوراسيا يمكن أن يدفع مركز الكتلة باتجاه الشمال خلال بعض فترات السنة، بينما يمكن لتغيرات المياه والأمطار في مناطق أخرى أن تدفعه في اتجاهات مختلفة.
والأهم أن هذه الحركة ليست مفاجئة ولا خطيرة، بل جزء طبيعي من النظام الديناميكي لكوكبنا.
تخيل كمية الماء التي تتحرك على الكوكب!
كل قطرة ماء تمر بدورة مستمرة:
تبخر → سحب → أمطار → أنهار → محيطات → تبخر من جديد.
وفوق ذلك، هناك ملايين الأطنان من الثلوج والجليد التي تتراكم ثم تذوب، إضافة إلى حركة الغلاف الجوي والمحيطات.
هذه الكميات الهائلة تتحرك باستمرار، والأرض تستجيب لهذا التوزيع المتغير للكتلة.
️ هل هناك خطر على الأرض أو الـGPS؟
هنا يجب التمييز بين الحقيقة العلمية والعناوين المثيرة.
لا تتحدث الدراسة عن انحراف خطير للأرض، ولا عن تغير مفاجئ في محور دورانها، ولا عن كارثة وشيكة.
كما أن نظام GPS لن يتوقف بسبب هذه الظاهرة.
الأمر يتعلق بالدقة العلمية القصوى: عندما تريد تحديد موقع شيء على الأرض أو في الفضاء بدقة عالية جدًا، فإن معرفة التغيرات الصغيرة في مركز كتلة الكوكب تصبح أمرًا أساسيًا.
الأرض أكثر ديناميكية مما تبدو عليه
ما تكشفه هذه الدراسة هو جانب مذهل من كوكب نعيش عليه يوميًا دون أن نشعر بما يحدث فيه.
فبينما تبدو الأرض لنا ثابتة وصلبة، فإنها في الحقيقة نظام ضخم متحرك باستمرار؛ مياهها تتحرك، وجليدها يتغير، وغلافها الجوي يعيد توزيع كتلته، ومحيطاتها تتحرك، وحتى مركز كتلتها يتذبذب قليلًا مع تغير الفصول.
بضعة مليمترات فقط… لكنها تذكّرنا بأن كوكبنا ليس جسمًا ساكنًا، بل منظومة ديناميكية هائلة تتحرك باستمرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى