مقالات

حين يصبح الفرح رسالة… عرس جماعي يفتح باباً جديداً للتكافل في مخيمات لبنان

بقلم عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين – الدكتور وسيم وني

ليست كل المبادرات الإنسانية تُقاس بحجم الأموال التي تُنفق عليها ولا بما تحققه من نتائج آنية فبعض المبادرات تحمل في جوهرها معنى أعمق من حدود المساعدة التقليدية معنى يمنح الإنسان شعوراً بأنه ليس وحيداً ويحوّل الدعم من فعل فردي محدود إلى حالة إنسانية واسعة يصبح فيها الفرح لغة للتكافل والأمل.
ومن هذا المنطلق، تأتي مبادرة العرس الجماعي المرتقب لأبناء المخيمات الفلسطينية في لبنان في الثالث من أيلول لتقدّم نموذجاً مختلفاً في العمل الاجتماعي والإنساني فهي لا تقف عند حدود تقديم الدعم المادي فحسب بل تسعى إلى صناعة لحظة إنسانية جامعة يكون فيها الفرح عنواناً للتكافل ويشعر فيها العرسان بأن مجتمعهم يقف إلى جانبهم ويشاركهم واحدة من أجمل لحظات حياتهم ، في تلك الليلة لن تكون الحكاية مجرد عرس جماعي ولن تختصرها الموسيقى والزغاريد وابتسامات العرسان بل ستكون رسالة تقول إن الإنسان يحتاج كما يحتاج إلى من يقف إلى جانبه في لحظات الشدة إلى من يشاركه أيضاً لحظات الفرح وأن المجتمع حين تتكاتف أياديه يستطيع أن يصنع أملاً أكبر من حجم الإمكانات.

ويقف خلف هذه الفكرة رجل الأعمال الفلسطيني الأستاذ سامي بقاعي الذي يؤمن بأن الإنسان مهما كانت إمكاناته، يستطيع أن يبدأ وأن الفكرة الصغيرة حين تجد الإخلاص والإرادة يمكن أن تتحول إلى مشروع يصنع أثراً كبيراً في حياة الناس ، فالهدف ليس فقط تقديم مساعدة للشاب المقبل على الزواج بل منحه وعروسه لحظة فرح وكرامة واحتضان اجتماعي تبقى حاضرة في الذاكرة لسنوات طويلة فالبيت يمكن تأثيثه مع الوقت والأشياء يمكن شراؤها واستبدالها لكن بعض اللحظات لا يمكن تعويضها لأنها تصبح جزءاً من حكاية الإنسان وذاكرته.

ولعل أجمل ما في هذه المبادرة أنها لم تبقَ مشروع شخص واحد بل تحولت إلى مساحة اجتمع فيها أهل الخيروبدأت الأيادي تتلاقى وكلٌّ يقدّم ما يستطيع من تجهيز العرسان والمشاركة الفنية والتصوير والزفة والتنظيم، وصولاً إلى المؤسسات والأشخاص الذين قرروا أن يكونوا جزءاً من هذا المشهد وهنا تظهر حقيقة مهمة: مجتمعنا لا يفتقر إلى القدرة على العطاء بل يحتاج أحياناً إلى فكرة صادقة تشعل الشرارة الأولى فعندما يرى الناس عملاً حقيقياً أمامهم يصبح كثيرون أكثر استعداداً للمشاركة لأن الخير حين يتحول إلى تجربة ملموسة يدفع خيراً آخر إلى الظهور، ومن الأفكار المهمة في هذه التجربة أن المبادرات الإيجابية تستحق أن تصل إلى الناس لا بحثاً عن الأضواء بل لأن الفكرة الناجحة يمكن أن تلهم الآخرين فكم من إنسان يملك القدرة على المساعدة لكنه ينتظر نموذجاً يشجعه؟ وكم من رجل أعمال يستطيع أن يبدأ مشروعاً صغيراً لو أدرك حجم الأثر الذي يمكن أن يصنعه؟

وبالطبع، لم تسلم المبادرة من بعض الانتقادات وخصوصاً ممن رأوا أن تقديم المال مباشرة للعرسان ربما يكون أكثر فائدة والاختلاف في الرأي أمر طبيعي لكن السؤال الأهم يبقى: هل نكتفي بالنقد، أم نحاول أن نقدم نحن أيضاً فكرة جديدة؟
فالمجتمعات لا تنهض بالنقد وحده بل بأشخاص يملكون الشجاعة ليقولوا: سأبدأ… حتى لو بدأت وحدي.
ولا تتوقف أهمية هذه التجربة عند حدود العرس الجماعي بل تفتح الباب أمام مفهوم أوسع للمسؤولية الاجتماعية خصوصاً مع التوجه نحو مشاريع أكثر استدامة ومنها المشروع المرتقب للسيد سامي بقاعي، الذي يقوم على تدريب أبناء المخيمات وتأهيلهم في مجالات المستقبل، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، إلى جانب التدريب المهني والحرفي.
وهنا ننتقل من مفهوم مساعدة الإنسان إلى مفهوم أكثر عمقاً: تمكين الإنسان.
فاليد التي تقدم المساعدة اليوم تبقى ضرورية لكن المعرفة والمهنة والمهارة تمنح الإنسان القدرة على صناعة مستقبله بنفسه فالشاب الذي يتعلم مهنة أو يتقن حرفة أو يكتسب مهارات جديدة في التكنولوجيا قد لا يغيّر حياته وحده بل قد يصبح مصدر قوة لعائلته ومجتمعه.

لقد أثبت أبناء مخيماتنا الفلسطينية في لبنان، رغم الظروف الصعبة، قدرتهم على النجاح والإبداع، لكن الطاقات تحتاج إلى فرص والأحلام تحتاج إلى من يؤمن بها والمطلوب اليوم ليس إبقاء أبناء شعبنا في دائرة انتظار المساعدة بل توسيع دائرة الإنتاج والعمل والاستقلال الاقتصادي.
ففي الثالث من أيلول، لن يكون المشهد مجرد عرسان يجتمعون للاحتفال بل رسالة تقول إن في مخيماتنا قلوباً ما زالت تؤمن ببعضها البعض وإن الخير لا يحتاج دائماً إلى إمكانات ضخمة كي يبدأ وإن الفكرة حين تجد أصحابها يمكن أن تتحول إلى مشروع ثم إلى حالة ثم إلى ثقافة داخل المجتمع.
ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من هذه المبادرة هو ألا يقول أحد: ماذا يمكنني أن أفعل وحدي؟
ابدأ بما تستطيع… فربما تبدأ وحدك، لكن فكرتك لن تبقى وحدها.
قد يراها شخص فيؤمن بها ويشاركك آخر ويضيف إليها ثالث حتى يصبح الحلم الذي بدا صغيراً مساحة أمل يتسع أثرها لعشرات وربما آلاف الناس.
هكذا يبدأ التغيير… فكرة صادقة، وخطوة شجاعة وإنسان قرر ألا ينتظر أحداً كي يبدأ.
وفي النهاية ربما لا تكون قيمة الإنسان في مقدار ما يملك بل في مقدار الأثر الذي يتركه خلفه.
فمن يزرع الفرح في قلب إنسان قد يرسم ابتسامة في بيت، لكن من يزرع فكرة الخير قد يفتح باباً لمستقبل مجتمع بأكمله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى