عرس جماعي في اللاسال… مبادرة إنسانية تحمل أكثر من معنى

بقلم: آية يوسف المسلماني
لم تكن ليلة الثالث من أيلول في قاعة لاسال في الرميلة مجرد موعد لزفاف ثلاثين عريساً وثلاثين عروساً، بل مشهداً حمل في تفاصيله أكثر من معنى وجمع بين الفرح والهوية واللقاء.
منذ اللحظات الأولى كان واضحاً أن المناسبة أراد لها منظموها أن تكون مختلفة.
موسيقى وغناء ودبكات فلسطينية ملأت المكان، فيما وُزّعت الكوفيات الفلسطينية على الحاضرين، فأضفت على الأمسية طابعاً خاصاً يعكس هوية أصحاب المناسبة وحضورها.
وعلى الشاشات تابع المدعوون كلمة للرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي وجّه التهنئة إلى العرسان وعائلاتهم، مؤكداً أن هذا العرس الجماعي يثبت أن الشعب الفلسطيني رغم الألم والمصاعب، قادر على صناعة الفرح وبناء المستقبل لأبنائه وبناته، ومثمناً مبادرة رجل الأعمال الفلسطيني وعضو المجلس الوطني المستشار سامي بقاعي وما تعكسه من روح المسؤولية والتكافل.
كما تابعوا تقريراً مصوّراً تناول فكرة العرس وأهدافه.
وتحدث صاحب الفكرة سامي بقاعي عن هذه التجربة، مؤكداً أن أبناء الشعب الفلسطيني في لبنان بحاجة إلى ثلاثة أعمدة أساسية هي التعليم والصحة والمساندة الاجتماعية، مشيراً إلى أهمية دور رجال الأعمال وأصحاب المال في دعم أبناء المخيمات من خلال مشاريع تنموية تسندهم وتساعدهم على مواجهة أعباء الحياة.
وشارك في الحفل عضو اللجنة المركزية لحركة فتح وممثل الرئيس الفلسطيني في لبنان ياسر عباس، ومستشار الرئيس للشؤون القانونية وائل لافي، وقائد قوات الأمن الوطني الفلسطيني اللواء العبد إبراهيم، والنائب في البرلمان اللبناني الدكتور عبد الرحمن البزري، والسفير الفلسطيني في لبنان الدكتور محمد الأسعد، وعدد من أعضاء المجلسين المركزي والوطني الفلسطينيين، وشخصيات سياسية ودبلوماسية، ورؤساء بلديات، وممثلو القوى والأحزاب اللبنانية والفلسطينية، وحشد من الإعلاميين، في مشهد عكس الاهتمام بهذه الخطوة.
كما شارك في إنجاح المناسبة عدد من الداعمين والمساهمين، في صورة عكست تكامل الجهود حول فكرة هدفت إلى إدخال الفرح إلى حياة عرسان تأخرت خطواتهم نحو الزواج بسبب الظروف المادية.
غير أن قيمة المناسبة لم تكن في الاحتفال وحده، بل في بعدها الإنساني.
ففي وقت باتت فيه تكاليف الزواج وتأسيس منزل جديد تشكل عبئاً كبيراً على الشباب، جاءت هذه الخطوة لتساعد شباباً أخّرت ظروفهم المادية حلم الزواج، وتمنحهم فرصة لبدء حياتهم الزوجية بقدر أكبر من الاستقرار.
واللافت أن الفكرة لم تقتصر على المشاركين الفلسطينيين، إذ شملت ثلاثة أزواج لبنانيين، في إشارة تحمل دلالة خاصة في منطقة عرفت طويلاً تداخلاً اجتماعياً وإنسانياً بين اللبنانيين والفلسطينيين.
وهنا تبرز قيمة الفكرة، أن تتحول مناسبة خاصة إلى مساحة تتسع للجميع، وأن تكون المساعدة مبنية على الحاجة والإنسان، لا على الانتماء.
وتستحق خطوة سامي البقاعي التقدير لأنها تذكّر بأن رجل الأعمال لا يستطيع فقط أن يساهم في الاقتصاد، بل يستطيع أيضاً أن يترك أثراً مباشراً في حياة الناس.
وكذلك فإن المغتربين اللبنانيين والفلسطينيين، ورجال الأعمال وأصحاب القدرة، أمامهم مساحة واسعة لصناعة مبادرات مشابهة، كلٌّ في منطقته ومجتمعه، لمساعدة شباب ينتظرون فرصة ليبدأوا حياتهم.
فقد تكون مساهمة بسيطة بالنسبة إلى صاحبها، لكنها بالنسبة إلى شاب وشابة تعني منزلاً يبدأ وأسرة تتشكل وحلماً كان مؤجلاً ويجد أخيراً طريقه إلى النور.
والجميل أن البقاعي لم يتعامل مع هذه المناسبة كحدث ينتهي بانتهاء ليلته، بل أعلن عن تطلعه إلى مواصلة التجربة، آملاً أن تتكرر المبادرة وتتوسع دائرة المستفيدين منها، خصوصاً بعد دعوة الرئيس محمود عباس إلى تنظيم عرس جماعي جديد.
ولعل هذا هو المعنى الأهم الذي يمكن أن يبقى من تلك الليلة. أن المبادرات الإنسانية حين تجد من يؤمن بها، لا تبقى حدثاً عابراً، بل تتحول إلى فكرة قابلة للاستمرار، وكل عرس جديد يمكن أن يكون بداية حياة جديدة لشابين، ورسالة بأن أهل الخير في لبنان والاغتراب، ما زالوا قادرين على أن يصنعوا فرقاً حقيقياً.


