مقالات

هل تحوّلت سماء فنزويلا إلى اللون الأحمر بفعل “سلاح سري”؟

 

بقلم الإعلامي سليم ناصر

في أعقاب الزلزال العنيف الذي ضرب العاصمة الفنزويلية كاراكاس، اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة تُظهر السماء وقد اكتست بلونٍ أحمر قانٍ، لترافقها موجة واسعة من الادعاءات التي تحدثت عن “أسلحة سرية”، و”أشعة ليزر”، وارتباطٍ بمشروع HAARP، بل وصل الأمر إلى اتهام جهات مجهولة بالتلاعب بالمناخ وإحداث الكوارث الطبيعية.
غير أن هذه الروايات لا تستند إلى أي دليل علمي موثوق، وتتناقض مع المبادئ الأساسية في علم الفيزياء الجوية والبصريات.
فالتفسير العلمي لهذه الظاهرة يرتبط بما يُعرف بظاهرة تشتّت الضوء (Light Scattering)، وهي عملية فيزيائية تحدث عندما تتفاعل أشعة الشمس مع جزيئات الغلاف الجوي. وعند اقتراب الشمس من الأفق وقت الغروب، تقطع الأشعة مسافة أطول داخل الغلاف الجوي، فتتشتت الأطوال الموجية القصيرة، كاللونين الأزرق والبنفسجي، بينما تبقى الأطوال الموجية الأطول، ولا سيما الحمراء والبرتقالية، أكثر قدرة على الوصول إلى عين الراصد، وهو ما يمنح السماء ذلك اللون المائل إلى الاحمرار. وهذه ظاهرة طبيعية تُشاهد يوميًا في مختلف أنحاء العالم.
إلا أن المشهد في فنزويلا بدا أكثر كثافة من المعتاد، وهو أمر يمكن تفسيره علميًا بوجود تراكيز مرتفعة من الجسيمات الدقيقة والهباءات الجوية (Aerosols)، إضافة إلى بعض المعادن أو الأبخرة المنبعثة إلى الغلاف الجوي، والتي تزيد من انعكاس الضوء وانكساره، فتجعل اللون الأحمر أكثر وضوحًا وحدة.
أما الربط بين هذه الظاهرة والزلزال، فله أساس علمي محدود، لكنه يختلف تمامًا عن الروايات المتداولة. فالزلازل القوية قد تؤدي إلى تشكل صدوع جيولوجية وانبعاث غازات وأبخرة ومواد معدنية من باطن الأرض في بعض المناطق، وهو ما قد يرفع تركيز الجسيمات العالقة في الهواء مؤقتًا، الأمر الذي يؤثر في الخصائص البصرية للغلاف الجوي ويُعزز ظهور الألوان الحمراء أو البرتقالية، خاصة إذا تزامن ذلك مع وقت الغروب.
لكن هذا لا يعني إطلاقًا أن اللون الأحمر دليل على استخدام تقنيات سرية أو أسلحة مناخية، كما لا يشكل أي إثبات على صحة الادعاءات المرتبطة بمشروع HAARP، إذ لا توجد أي أدلة علمية أو دراسات موثقة تثبت وجود علاقة بين هذا المشروع وحدوث الزلازل أو تغير لون السماء بهذه الصورة.
أما المقاطع التي زعمت ظهور “صحون طائرة” أو أشعة ليزر حمراء فوق كاراكاس، فقد تبيّن بعد تحليل عدد منها أنها مقاطع مُولَّدة أو معدَّلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI)، بينما يعود بعضها الآخر إلى مؤثرات بصرية أو مواد مصورة خارج سياق الحدث، أُعيد نشرها على أنها توثق ما جرى في فنزويلا.
وفي عصر تتسارع فيه وتيرة انتشار المعلومات، تصبح الحاجة إلى التحقق العلمي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فليس كل مشهد غير مألوف يحمل تفسيرًا غامضًا، ولا كل ظاهرة طبيعية دليلًا على مؤامرة أو تدخل بشري خفي.
قد يكتشف العلم مستقبلًا ظواهر جديدة لم تُفسَّر بعد، وهذا جزء من طبيعة البحث العلمي القائم على التساؤل والتجربة. لكن المنهج العلمي يقتضي الفصل بين الفرضيات المدعومة بالأدلة وبين الادعاءات التي تُبنى على التخمين أو المقاطع المفبركة. ومن هنا، يبقى التمييز بين الحقائق العلمية والمعلومات المضللة ضرورة أساسية لفهم ما يحدث من حولنا بعيدًا عن الإثارة والتهويل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى