مقالات

هل تصْدُق العرافة البرازيلية الليلة وتجتاح المخلوقات الفضائية أميركا؟

بقلم الإعلامي سليم ناصر

في كل حقبة من التاريخ، كانت البشرية تقف أمام مفترق طرق بين العقل والخرافة، بين الدليل والادعاء، وبين المعرفة والوهم. واليوم، ومع التقدم العلمي الهائل الذي تعيشه الإنسانية، يبدو أن بعض الناس ما زالوا يصرّون على السير في الاتجاه المعاكس، متشبثين بتنبؤات العرافين والمنجمين أكثر من تمسكهم بالحقائق والوقائع.
خلال الأيام الماضية، انتشرت على نطاق واسع رواية مثيرة للدهشة، مفادها أن إحدى العرافات البرازيليات تنبأت بهبوط سفينة فضائية خلال إحدى مباريات كأس العالم في مدينة ميامي الأميركية، وأن مخلوقات قادمة من كوكب آخر ستقوم باختطاف اللاعبين والجماهير. والأكثر غرابة من الرواية نفسها، هو حجم التصديق الذي حظيت به، حتى بدا وكأن ملايين البشر مستعدون للتخلي عن أبسط قواعد المنطق مقابل قصة ولدت من حلم عابر.
إن السذاجة لا تكمن في طرح الفكرة فحسب، بل في التسليم بها دون دليل أو برهان. فكيف يمكن لعقول كرّمها الله بالعقل والتفكير والتحليل أن تبني قناعاتها على رؤيا منامية أو ادعاء شخصي لا يخضع لأي معيار علمي أو منطقي؟
نعم، نحن ندرك أن عالم التنجيم ليس دائماً معزولاً عن المصالح السياسية والإعلامية، وأن بعض التوقعات قد تصيب أحياناً نتيجة معلومات مسربة أو ترتيبات مسبقة أو قراءات ذكية للواقع. لكن هذا يختلف تماماً عن منح أشخاص صفة “العرافين” أو “أصحاب القدرات الخارقة” والاعتقاد بأنهم يمتلكون مفاتيح المستقبل.
وفي المقابل، لا أحد يستطيع إنكار أن الكون ما زال يحمل أسراراً تفوق إدراكنا الحالي، وأن احتمال وجود حضارات أخرى خارج الأرض يظل احتمالاً مطروحاً علمياً. بل إن كثيراً من العلماء يرون أن اتساع الكون الهائل يجعل فكرة وجود حياة أخرى أمراً وارداً للغاية. غير أن هذا الاحتمال العلمي لا يمنح أي مصداقية لتنبؤات غير موثقة أو قصص تفتقر إلى أبسط قواعد الإثبات.
ثم لنتوقف لحظة أمام جوهر الرواية نفسها. فإذا افترضنا جدلاً أن حضارة متقدمة للغاية قررت زيارة الأرض، فهل يعقل أن يكون ظهورها بهذا الشكل الاستعراضي الساذج؟ وهل من المنطقي أن تكشف عن نفسها أمام عدسات العالم كله خلال مباراة كرة قدم؟ لو أننا نحن البشر امتلكنا القدرة على زيارة حضارة أخرى في مجرة بعيدة، فهل ستكون أولى خطواتنا استعراض وجودنا أمام الجماهير أم دراسة تلك الحضارة وفهمها والتواصل معها وفق أسس مدروسة؟
إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في قصة سفينة فضائية أو نبوءة عابرة، بل في تراجع الثقة بالعقل والعلم لصالح ثقافة الشائعات والتكهنات. فهناك من أصبح مستعداً لتصديق أي رواية غامضة بدعوى أن الحكومات تكذب والعلماء يخفون الحقائق. ورغم أن لكل دولة أسرارها ومصالحها التي قد لا تكشف عنها بالكامل، فإن أحداثاً عالمية بهذا الحجم يستحيل عملياً إخفاؤها أو التآمر بشأنها على مستوى الكوكب بأسره.
في عصر البث المباشر والأقمار الصناعية والهواتف الذكية، لم يعد ممكناً إخفاء حدث استثنائي يقع أمام أعين عشرات الآلاف من الناس وملايين المشاهدين حول العالم. فالحقائق الكبرى لا تحتاج إلى عرافين لإثباتها، بل تفرض نفسها بنفسها.
إن الإيمان بالعلم لا يعني ادعاء امتلاك جميع الإجابات، كما أن الانفتاح على المجهول لا يعني التسليم بالخرافة. وبين هذين الحدين يبقى العقل هو البوصلة الوحيدة القادرة على التمييز بين ما يمكن تصديقه وما يجب التعامل معه بوصفه مجرد قصة مثيرة لا أكثر.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستهبط سفينة فضائية فوق ملعب كرة قدم؟ بل لماذا أصبح كثيرون مستعدين لتصديق ذلك دون أن يطالبوا بدليل واحد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى