
ساعدوا أنفسكم لنساعدكم” — عبارةٌ سُمِعت مراراً على لسان دبلوماسيين ومسؤولين دوليين، حتى باتت كأنّها وصمة على جبين وطنٍ أنهكه الفشل، وشعبٍ أنهكته التناقضات. قد تبدو هذه الجملة مهينة في ظاهرها، لكنها في عمقها ليست سوى صورة صادقة، موجعة، لواقعٍ لا يمكن التهرّب منه. فكيف للعالم أن يمدّ لك يد العون، وأنت تصرّ على الغرق في مستنقعك؟ كيف تُطلب المساعدة، ممن لا يُبدي استعدادًا لبذل الحدّ الأدنى من الجهد للخلاص؟
لبنان اليوم ليس في أزمة اقتصادية فقط، ولا في مأزق سياسي عابر، بل هو في مأزق وجودي: دولة تتصرف بعقلية التآمر على كل مشروع إصلاحي، وكأنّها تُدار وفق مقولة “كيف أُفشل مشروعك؟” وشعبٌ تائه، تتوزعه الولاءات، وتتغلب عليه الغرائز الطائفية والمصلحية، حتى بات الوطن مفهوماً فضفاضاً، لا يجتمع عليه اثنان.
قد يقول قائل إن اللبنانيين لا يبالون، يرقصون ويسهرون فوق ركام وطنهم المنهار، غير أن هذا المشهد لا يمكن فصله عن سياقه النفسي والاجتماعي. فالسهر لم يعد ترفًا بل مهربًا، والضحك ليس علامة استخفاف بل وسيلة دفاعية في وجه الجنون المستشري. إنّه شعب يحاول أن يلهو على أنقاض نفسه، بعدما ضاقت به الأرض بما رحبت.
لكن الحقيقة القاسية أنّ الحس الوطني غائب عند فئاتٍ كثيرة، لا الشعب بريء بالكامل، ولا الدولة ضحية أحد. هناك مسؤولية جماعية، ثقيلة، لا يمكن الهروب منها. فالذين يُمعنون في جلد الوطن، هم أحيانًا ذاتهم من يساهمون في تخريبه: بالصمت، بالتحزّب، أو بالتبرير.
لبنان، بهذا التناقض العنيف، يشبه أحجية عجزت البشرية عن حلها. بلدٌ يريد الكهرباء والماء والخدمات، دون أن يبدّل شيئاً في نظامه السياسي، أو في سلوكياته اليومية. يريد أن يشفى دون دواء، وأن ينهض دون تعب، وأن يُحترم دون أن يحترم نفسه.
هي ليست لعنة، بل نتيجة منطقية لسنوات من الانحدار والتراكمات. والخلاص لن يأتي من الخارج وحده، بل من لحظة صدق داخلية، نادرة، قد توقظ فينا ما تبقى من إحساس بالمسؤولية.
فهل نجرؤ يومًا على إنقاذ أنفسنا… قبل أن يلفظنا الوطن جميعاً؟


