مقالات

بين الالتزام بالقانون ومرونة التعاطف جامعة لبنانية للجميع؟

رنا غنوي

في ظل الحروب والأزمات الممتدة منذ ثلاث سنوات، لا يدفع الناس وحدهم ثمن ما يحدث؛ بل يدفع مستقبل أبنائهم وحقهم في التعليم الثمن أيضًا.

ثلاث سنوات مرّت على طلاب وتلامذة تنقّلوا بين التعليم الحضوري والتعليم عن بُعد، وبين النزوح والتهجير، وبعضهم غادر قراه بعدما مُحيت أجزاء منها عن الخارطة. ثلاث سنوات من عدم الاستقرار، من القلق، ومن محاولة التمسك بما تبقى من حياة طبيعية، وفي مقدمتها الحق في التعليم.

بعض هؤلاء الطلاب أصبحوا اليوم طلاب سنة أولى في الجامعة.

ولأن اللامركزية في التعليم الجامعي لا تزال محدودة، ولأن فروع الجامعة اللبنانية لا تغطي جميع المناطق بما يسمح لأبناء الأرياف بالوصول إلى التعليم الجامعي من دون أعباء إضافية، يجد الطالب القادم من قرى الجنوب نفسه أمام رحلة يومية شاقة.

أ.ق.، كغيره من زملائه، يستيقظ عند الخامسة صباحًا في قرية الشهابية – قضاء صور، ليتوجه إلى الجامعة في صيدا، حيث تبدأ محاضراته عند الثامنة صباحًا. ولأن كلفة السكن والمعيشة بالقرب من الجامعة تفوق قدرة العديد من العائلات، ارتأى مقدمو الرعاية استئجار باص ينقل الطلاب يوميًا من القرى والبلدات الجنوبية إلى الجامعة.

هذا الباص ليس وسيلة نقل فحسب.

إنه، بالنسبة إلى هؤلاء الطلاب، وسيلة للحفاظ على حقهم في متابعة تعليمهم من دون أن تضطر عائلاتهم إلى تحمّل أعباء إضافية لا قدرة لها عليها.

صباح الأربعاء في 30 أيلول، قلب الطقس المعادلة.

ازدحمت الطرقات بالسيارات والآليات، وتأخر الباص العالق في الزحمة عند مدخل المدينة، فوصل الطلاب إلى الجامعة متأخرين نحو عشر دقائق عن موعد المحاضرة الأولى.

دخل الطلاب إلى الصف، ليُطلب منهم الالتزام بقانون الحضور وعدم التأخر عن موعد المحاضرات. وعندما حاول أحدهم شرح أن سبب التأخير هو سوء الأحوال الجوية والازدحام، وأن الباص الذي يقل مجموعة الطلاب عالق على الطريق، جاءه الرد، بمعناه: لا يهم من أين تأتي ولا كيف تصل؛ المهم ألا تتأخر، لأن التأخير في المرات المقبلة قد يحرمك من حضور المحاضرة.

نعم، الالتزام بالحضور جزء من الحياة الجامعية.

ونعم، للجامعة أن تضع أنظمة تنظّم العملية التعليمية وتحافظ على انتظامها.

لكن السؤال هنا ليس: هل يجب احترام القانون؟

السؤال هو: كيف نطبّق القانون عندما تكون الظروف استثنائية؟

ومتى تصبح القدرة على قراءة الظرف جزءًا من مسؤوليتنا التربوية؟

لطالما اعتبرنا الجامعة اللبنانية جامعة كل اللبنانيين؛ الجامعة التي يلجأ إليها من لا يستطيع تحمّل كلفة التعليم الجامعي الخاص، والجامعة التي يفترض أن تكون مساحة للإنصاف وتكافؤ الفرص.

وهي، في ذاكرة اللبنانيين خلال سنوات الأزمات والحروب، لم تكن فقط مؤسسة تعليمية؛ بل كانت أيضًا واحدة من المساحات التي احتضنت أبناء الوطن عندما ضاقت بهم المساحات الأخرى.

فهل كان سيُنتقص من هيبة القانون لو قيل للطلاب:

“نتفهم سبب تأخركم اليوم. نعرف من أين أتيتم، ونعرف أن الطريق ليس سهلًا. حاولوا في المرات المقبلة الانطلاق قبل بضع دقائق إن أمكن، ونحن نأمل ألا يتكرر الأمر.”

أليست هذه أيضًا تربية؟

أليست هذه أيضًا مواطنة؟

أليست هذه هي الجامعة التي نريدها لأبنائنا؟

الاستثناء الإنساني لا يعني إلغاء القانون، كما أن الالتزام بالقانون لا يعني إلغاء الإنسان.

في هذه الحالة، كان يمكن ببساطة معالجة الأمر من جهتين: تفهّم ظرف الطلاب الاستثنائي، وفي الوقت نفسه التنسيق مع الجهة المسؤولة عن الباص لتعديل وقت الانطلاق بما يخفف احتمالات التأخير.

فالمطلوب ليس أن تصبح المحاضرات مفتوحة المواعيد، ولا أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، بل أن نمتلك القدرة على التمييز بين التأخير الناتج عن الإهمال والتأخير الناتج عن ظرف قاهر أو غير متوقع.

والأهم أن نتذكر أن البلد نفسه غير مجهز بما يكفي لتسهيل حياة الناس.

قد يتأخر الأستاذ نفسه بسبب زحمة السير.

قد يعلق في الطريق.

قد يتعرض لحادث.

وقد يكون هو أيضًا نازحًا أو مهجّرًا من إحدى القرى الحدودية التي دفعت ثمن الحرب.

وهذا بالتحديد ما يجعل التعاطف ضرورة، لا ترفًا.

نحن في مرحلة لم تعد فيها الحياة تسير وفق الظروف الطبيعية. وما مرّ على أبناء الجنوب خلال السنوات الثلاث الماضية ليس تفصيلًا عابرًا يمكن تجاهله عند باب الصف.

هؤلاء الطلاب لم يصلوا إلى الجامعة من طريق معبّد.

بعضهم وصل إليها بعد سنوات من الخوف والنزوح، وبعضهم بعد فقدان البيت والقرية والأمان، وبعضهم بعد رحلة يومية تبدأ قبل شروق الشمس.

ومع ذلك، ما زالوا يأتون.

ما زالوا يتعلمون.

ما زالوا يحاولون بناء مستقبلهم.

فلنكن عونًا لبعضنا في هذه الظروف، لا وزرًا إضافيًا على كاهل بعضنا البعض.

القادم قد يكون أشد صعوبة.

ولذلك، نحن بحاجة إلى مؤسسات تطبّق القانون، نعم، لكننا بحاجة أيضًا إلى أشخاص يعرفون أن روح القانون هي حماية الإنسان وتنظيم حياته، لا زيادة أعبائه.

فلنتمسك بالقواعد التي تحمي انتظامنا، لكن من دون أن نختبئ خلف حذافيرها عندما تكون الإنسانية هي الحاجة الأولى.

فالمواطنة ليست أن نعرف القانون ونطبقه فقط.

المواطنة أن نعرف متى يحتاج تطبيق القانون إلى قليل من المرونة، وكثير من الإنسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى