أخبار محلية

حين تدخل فلسطين إلى MTV من باب الدبلوماسية: زيارة ليست عابرة ولوحة تختصر حكاية وطن

*بقلم الكاتب والصحفي خالد الطوقي*

هناك زيارات تُقاس بعدد الصور التي تُلتقط فيها، وهناك زيارات تُقاس بما تتركه خلفها من أسئلة ورسائل وتغيير في المشهد، وزيارة سفير دولة فلسطين لدى الجمهورية اللبنانية، الدكتور محمد الأسعد، إلى قناة MTV اللبنانية، ليست من النوع الأول بالتأكيد ، فأن يذهب السفير الفلسطيني إلى مبنى قناة لطالما ارتبط في الذاكرة الفلسطينية بصورة إعلامية إشكالية، وأن يلتقي إدارتها ويقدم لوحة إلى مديرها، ثم تنشر القناة خبر الزيارة عبر موقعها ونشرتها، فهنا لا تعود المسألة مجرد بروتوكول دبلوماسي أو لقاء علاقات عامة، هنا نحن أمام مشهد يحمل دلالة سياسية وإعلامية واضحة: كسر صورة نمطية وبناء صورة جديدة.

عندما تكسر الدبلوماسية جدار الصورة النمطية

لطالما كانت العلاقة بين الفلسطينيين وبعض المنابر الإعلامية اللبنانية محكومة بمواقف متباينة، وفي أحيان كثيرة بصورة نمطية لم تكن منصفة للشعب الفلسطيني ولا لقضيته، لكن الدبلوماسية الحقيقية لا تعيش على إعادة إنتاج الخصومات، ولا تنجح عبر إدارة الظهر لمن يختلف معها، بل الدبلوماسية الناجحة هي التي تذهب إلى حيث يوجد الاختلاف، وتفتح الباب حيث كان الباب موصدا، وتحاول أن تغير الصورة من الداخل ، ومن هذه الزاوية، فإن دخول السفير الفلسطيني إلى مبنى MTV ليس تفصيلا عاديا، فحين يصبح اللقاء ممكنا، ويصبح التكريم متبادلا، وتصبح الزيارة خبرا منشورا على منصة القناة نفسها، فإن شيئا ما قد تغير في المشهد. قد لا يكون التغيير قد وصل إلى نهايته، لكنه بدأ من المكان الأكثر أهمية: كسر الحاجز النفسي والإعلامي.

لماذا MTV تحديدا؟
السؤال هنا مشروع: لماذا هذه الزيارة؟ ولماذا هذا المكان تحديدا؟ الجواب لا يحتاج إلى كثير من التعقيد، لأن الوصول إلى مساحة إعلامية مؤثرة لا تختلف معك، أهم بكثير من الحديث أمام جمهور يصفق لك مسبقا.
أن تتحدث إلى من يعرف فلسطين من زاوية مختلفة، وأن تقدم له روايتك، وأن تفتح معه حوارا مباشرا، فهذا هو جوهر العمل الدبلوماسي والإعلامي الحقيقي. فمن السهل أن تقنع من هو مقتنع بك، لكن التحدي أن تصل إلى من لم يسمع روايتك كاملة.

وهنا تصبح الزيارة أكثر من لقاء، تصبح محاولة لإعادة تعريف فلسطين داخل مساحة كانت، لسنوات، جزءا من السجال حولها.

اللوحة ليست هدية… بل رسالة

أما تقديم لوحة للسيدة مريم العذراء، فهو التفصيل الذي يجعل الزيارة تحمل بعدا أعمق من المجاملة، فالهدية في الدبلوماسية ليست دائما مجرد هدية، أحيانا يكون الرمز أهم من الكلام والسيدة مريم العذراء ليست رمزا دينيا عابرا في الذاكرة الفلسطينية، كما أن السيد المسيح وكنيسة القيامة والمواقع المسيحية المقدسة ليست تفاصيل يمكن فصلها عن فلسطين وتاريخها وهويتها الحضارية.

لذلك، فإن تقديم صورة السيدة مريم يحمل رسالة بالغة الذكاء: فلسطين ليست فقط القضية التي تظهر في نشرات الأخبار، بل فلسطين أيضا أرض السيد المسيح، ومرتبطة بتاريخ المسيحية ومقدساتها وذاكرتها العميقة.
وهنا تصبح اللوحة، بكل بساطة، قطعة من فلسطين تدخل إلى المكان وتبقى فيه.

الرسالة التي لا تحتاج إلى خطاب
ربما كان بإمكان السفير أن يلقي خطابا طويلا عن فلسطين ومكانتها التاريخية والدينية، لكنه اختار شيئا أكثر ذكاء، اختار أن يترك رمزا يتحدث.

فاللوحة المعلقة على جدار قد تكون أبلغ من عشرات البيانات. كل من يراها سيتذكر السيدة مريم، ومن يتذكر السيدة مريم سيتذكر المسيح، ومن يتذكر السيدة مريم العذراء سيتذكر الأرض التي ارتبطت بها قصتها.
وهنا بالضبط تكمن قوة الرمز: فلسطين تدخل إلى المكان من دون صخب، لكنها لا تدخل وحيدة؛ تدخل بتاريخها ومقدساتها وذاكرتها.

المشكلة في عين من يشاهد الصورة من الخارج

من ينظر إلى الصورة من الخارج قد يرى سفيرا يزور قناة، ومديرا يتسلم لوحة، وخبرا ينشر على الموقع، لكن من يقرأ المشهد سياسيا وإعلاميا، سيرى شيئا آخر تماما.
سيرى سفيرا فلسطينيا يحاول أن ينقل العلاقة من خانة الاشتباك إلى خانة التواصل، سيرى محاولة لكسر صورة إعلامية قديمة، وسيرى فلسطين تدخل إلى مساحة إعلامية بطريقة مختلفة، ورمزا مسيحيا فلسطينيا موضوعا في مؤسسة إعلامية لبنانية.

إذن، المشكلة ليست في الصورة؛ المشكلة في قدرة القارئ على قراءة ما وراء الصورة.

لا تتركوا فلسطين أسيرة نشرات الأخبار

ربما تكون إحدى أكبر مشكلات القضية الفلسطينية أن العالم اعتاد أن يرى فلسطين من خلال صور الحرب، والدمار، والمخيمات، والانقسام، والاشتباك السياسي.
لكن فلسطين أكبر من كل ذلك، فهي وطن له تاريخ، وهوية، وثقافة، ومقدسات، وتنوع ديني وحضاري وحين يتم تقديم السيدة مريم العذراء باعتبارها جزءا من المشهد الفلسطيني، فإن الرسالة تصبح واضحة: لا تنظروا إلى فلسطين فقط كملف سياسي؛ انظروا إليها أيضا كوطن له جذور حضارية ودينية عميقة.

وهذه واحدة من أهم معارك الوعي التي تحتاجها فلسطين اليوم.

## الدبلوماسية حين تكون أكثر ذكاء من المواجهة

قد يختلف البعض مع الزيارة، وقد يقرأها البعض بطريقة أخرى، وهذا طبيعي في السياسة، لكن من الصعب تجاهل حقيقة أساسية: الذين يريدون تغيير الصورة لا يمكنهم أن يكتفوا بالشكوى من الصورة. عليهم أن يدخلوا إلى المكان الذي تُصنع فيه الصورة.

وهذا ما يجعل زيارة السفير محمد الأسعد إلى MTV قابلة للقراءة باعتبارها تحركا دبلوماسيا يتجاوز المجاملة إلى محاولة فتح مساحة جديدة للتواصل.

فالدبلوماسية ليست أن تقول فقط: *”أنتم أخطأتم بحقنا”.*

الدبلوماسية الأكثر تأثيرا هي أن تقول:
“دعونا نفتح صفحة جديدة، ولكن دعونا أيضا نضع فلسطين أمامكم كما نعرفها نحن.”

فمن يريد الانتقاد… فليوسّع أفقه
ومن هنا، فإن من يريد الانتقاد، فليُمعن النظر أبعد من أنفه، وليوسّع أفق تفكيره قبل أن يطلق أحكامه.
فالسياسة لا تُقرأ من زاوية واحدة، والدبلوماسية لا تُقاس بمنطق الخصومة وحده، والرسائل الأذكى ليست دائما تلك التي تُقال بصوت مرتفع.

من يكتفي برؤية الصورة، يفوته المعنى؛ ومن يقرأ ما وراء الصورة، يدرك أن بعض الخطوات لا تُقاس بما قيل فيها، بل بما كُسر من حواجز، وما فُتح من أبواب، وما تُرك من رسائل.

وقبل أن نسأل: لماذا ذهب السفير؟ علينا أن نسأل: ماذا أراد أن يقول؟ ولمن؟ وأين قالها؟ وماذا تركت زيارته خلفها؟

عندها فقط يصبح النقد قراءة واعية، لا مجرد رد فعل سريع.

والخلاصة…ليست القضية في أن سفيرا زار قناة، وليست القضية في أن مديرا تلقى لوحة، وليست القضية حتى في أن خبرا نشرته القناة عن الزيارة، القضية في المعنى الذي اجتمع في هذه التفاصيل كلها.

صورة نمطية يجري كسرها، باب كان موصدا يُفتح، مساحة إعلامية يجري الدخول إليها.**

وفلسطين تُقدَّم من زاوية مختلفة.

ولهذا، فإن أهم ما حملته الزيارة أن الدبلوماسية الفلسطينية لم تذهب إلى MTV لتطلب منها أن ترى فلسطين بعين الفلسطيني فقط، بل لتترك فيها صورة أخرى عن فلسطين… صورة قد تبقى أطول من أي خبر.

ثم تأتي السيدة مريم العذراء لتضع النقطة الأوضح على الحرف: فلسطين ليست مجرد خبر، ولا مجرد قضية، ولا مجرد صورة في نشرات الأخبار؛ فلسطين أرض السيد المسيح، وأرض المقدسات، وجزء أصيل من تاريخ المسيحية وذاكرتها.

وهنا تكمن قوة المشهد: أن تدخل إلى مكان يحمل عنك صورة مختلفة، ثم تخرج تاركا وراءك صورة جديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى