مقالات

«لا أحد يسرق الأفكار»… هل الثقافة رفاهية لا يملكها الفقير؟

رنا غنوي- ناشطة حقوقية

بدأت الاحتجاجات في فرنسا على خلفية غلاء المعيشة، ثم امتدّت لتشمل أعمال نهب وتخريب في المدينة، والاستيلاء على محتويات المتاجر الكبرى وتحطيم واجهاتها وممتلكاتها (france 24 استخدمت العبارات الواردة في المقطع وليس أنا)

أمس، ظهرت صورة لا أعرف مدى دقّتها، ولا ما إذا كانت قد عُدّلت باستخدام الذكاء الاصطناعي لإبراز دلالة عقائدية تربط بين بعض المتظاهرين وأصولهم العربية وديانتهم. تُظهر الصورة متجرًا تعرّض للنهب بالكامل، باستثناء الجناح المخصّص لبيع منتجات لحم الخنزير، الذي بدا وكأنّه لم يُمسّ

وبغضّ النظر عمّا إذا كان الهدف من نشر الصورة هو توجيه الاتهامات إلى الفرنسيين من أصول جزائرية ومغربية، وتحميلهم مسؤولية أعمال الشغب خلال الاحتجاجات، فهذه ليست المسألة التي تشغل تفكيري اليوم

لكنّ هذا الشخص نفسه نشر ليلًا صورة لمتجره المتخصّص في بيع الكتب، أظهرت الفوضى والنهب في محيطه، في حين بدا متجره سليمًا تمامًا، وأرفقها بعبارة: “لا أحد يسرق الأفكار”

في هذه العبارة دلالة ضمنية على أنّ المتظاهرين، الذين ينهبون الممتلكات ويخرّبون المتاجر، لا يقتربون من الكتب، وكأنّ ذلك دليل على قلّة ثقافتهم أو اهتمامهم بالمعرفة

لكن ماذا لو حاولنا النظر إلى المشهد من زاوية الفقير نفسه؟

لنفترض، جدلًا، أنّ هؤلاء المتظاهرين فقراء، وأنّ احتجاجاتهم انطلقت فعلًا من شعورهم بالعجز عن تحمّل أعباء المعيشة

ألا يحتاج الفقير، قبل أن يقرأ، إلى أن يأكل ويلبس، وأن يؤمّن تعليم أولاده، وأن يجد فرصة عمل كريمة تضمن له الحدّ الأدنى من الاستقرار؟

أليس من المنطقي أن تكون الأولوية لتأمين الاحتياجات الأساسية، قبل الانتقال إلى ما يُعدّ من الكماليات في نظر من لا يفتقدها؟

الثقافة ليست امتيازًا يولد الإنسان محرومًا منه، وليست دليلًا على قيمة الإنسان أو ذكائه أو وعيه. لكنّ الوصول إليها يحتاج، في كثير من الأحيان، إلى حدّ أدنى من الأمان الاقتصادي والاجتماعي

فالإنسان الذي يقضي يومه في التفكير بكيفية تأمين لقمة عيشه، قد لا يجد الوقت ولا الطاقة ولا القدرة المادية للاهتمام بالكتاب، لا لأنّه لا يقدّر المعرفة، بل لأنّ أولوياته تفرض عليه أن ينجو من يومه أولًا

وهنا تكمن المفارقة: أن نطالب الفقير بالارتقاء ثقافيًا، فيما لا نلتفت إلى الظروف التي قد تحرمه من أبسط مقوّمات الحياة.

هذا لا يبرّر النهب أو التخريب، ولا يجعل الاعتداء على الممتلكات وسيلة مشروعة للاحتجاج. لكنّ رفض هذه الأفعال لا ينبغي أن يمنعنا من فهم جذور الغضب الاجتماعي، ولا أن يدفعنا إلى اختزال الفقر في صورة نمطية عن الجهل وقلّة الثقافة.

قبل أن نسأل لماذا لم يسرقوا الكتب، لنسأل أنفسنا: هل أتحنا لهم أصلًا فرصة أن يقرؤوها؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى