صحافيون مستقلون في مرمى النيران: تحديات مضاعفة في الحرب الإسرائيلية على لبنان
محمد زناتي

شكّل العام 2024 عاما مأساويا على الصحافيين في مشهد وصفه الاتحاد الدولي للصحافيين بالدموي بحيث فقد الجسم الصحافي 104 صحافياً في أنحاء العالم، أكثر من نصفهم كان في قطاع غزة.
وفي لبنان تحديدا، شكّلت الاعتداءات الاسرائيلية أبرز مخاطر الحرب على الصحافيين، وقد وثّقت مؤسسة سمير قصير حجم هذه الاعتداءات منذ بداية الحرب في 8 تشرين الأول 2023، إذ تم استهداف 25 شخصا من الجسم الصحافي ينقسمون بين 13 صحافي و12 مصوّر، وتنقسم هذه الحالات بين 9 حالات قتل و16 حالة إصابة.
وكان أخر اعتداء على الصحافين في لبنان بتاريخ 25 تشرين الأول 2024، حيث استهدف الجيش الاسرائيلي تجمّع للصحافيين في حاصبيا وهم نيام، ليستشهد مصّور قناة الميادين غسان نجار ومهندس البث محمد رضا ومصّور قناة المنار وسام قاسم.
الكثير من الصحافيين الذين تم استهدافهم هم من الصحافيين المستقلين، الأمر الذي يفاقم التحديات ويرفع من مستوى الخطر الملقى على كاهل هذه الفئة الكبيرة من الصحافيين، فما هي التحديات التي عانى منها الصحافيون المستقلون لناحية السلامة الجسدية؟ وكيف واجهوا هذه التحديات؟
الصحافي المستقل بين غياب الحماية وتفاقم الخطر
يعتبر الصحافيون المستقلون الذين يعملون بشكل مستقل عن وسائل الإعلام الفئة الأكثر ظلماً بين الصحافيين، على اعتبار أنهم لا يرتبطون بعقد عمل دائم أو حتى مؤقت، بل معظمهم يعملون على “القطعة”، وهنا يقول الصحافي عباس فقيه إنّ الكثير من التحديات تواجه الصحافي المستقلّ أبرزها غياب الأمان الوظيفي والحماية القانونية وافتقادهم للضمان الصحي والتغطية الطبية في حال تعرضهم لأي إصابة.
يذكر أن عباس فقيه هو صحافي مستقلّ غطّى الحرب الأخيرة على لبنان وعايش خطر الاستهداف أكثر من مرة، مما جعله في خطر دائم، لا سيما بسبب وجوده في منطقة النبطية وجوارها المصنفة ضمن المناطق الخطرة Red zone،
وإلى جانب غياب الأمان الوظيفي والحماية القانونية والضمان الصحي، واجه فقيه صعوبة في تأمين أبسط مقومات الحماية وهي “الدرع والخوذة”، وهو ما عانت منه أيضا الصحافية المستقلة مروى صعب والتي أشارت إلى ضرورة الاعتراف بالصحافيين المستقلين كصحافيين وليس كهواة.
عقبات التنسيق الأمني والمخاطر الميدانية
إلى جانب نقص المعدات، يواجه الصحافيون الموظفون والمستقلون عراقيل بيروقراطية مشتركة أثناء عملهم ولو بنسبة متفاوتة، إذ تشير مروى صعب إلى أن التنسيق مع الجيش اللبناني لم يكن كافيًا، إذ احتاج الصحافيون إلى موافقات إضافية من جهات أخرى، ما أدى إلى تأخير عملهم وتعريضهم لمضايقات ميدانية، وتضيف صعب أنّه “عندما يحدث استهداف في مكان معين، كنا نضطر للانتظار، وأحياناً كنت أمتنع عن النزول للميدان لأن الأمر سيستغرق وقتاً، وبالتالي هناك شخص آخر قد وصل إلى مكان الغارة وأنهى العمل”.
“كنا نسمع مرارًا: من أنتم؟ ماذا تصورون؟”، تقول صعب، مضيفة أن هؤلاء الصحافيين كانوا مطالبين بإظهار بياناتهم الصحفية وتقديم تفاصيل عن عملهم. في بعض الحالات، فضّل الصحافيون المستقلون عدم التوجه إلى مواقع الاستهداف خوفًا من عدم الحصول على إذن في الوقت المناسب، ما أثر على قدرتهم على مواكبة الأحداث في اللحظة المناسبة.
المعضلة الاقتصادية: بين الاستغلال وغياب الحد الأدنى للأجور
تتشارك صعب مع فقيه نفس الهواجس لجهة تنظيم عمل الصحافيين المستقلين، إذ يتمنى فقيه بأن تنظم مهنة الصحافة بشكل عام، وأن يحظى الصحافيون المستقلون على أدنى الحقوق الانضمام إلى النقابات ومساواتهم بزملائهم في المؤسسات الإعلامية كافة.
وإلى جانب المخاطر الأمنية، يواجه الصحافيون المستقلون استغلالًا ماليًا واضحًا. يوضح عباس فقيه أن “عدم وجود حد أدنى لسعر المادة الصحافية يدفع بعض المستقلين إلى قبول أجور متدنية جدًا، ما يؤثر على استدامة عملهم”. ويضيف: “نحن نعمل على القصص بجهد كبير، لكن المنافسة الشديدة بين الصحافيين المستقلين تدفع بعضهم إلى القبول بأسعار زهيدة لا تكفي لتأمين قوت يومهم أو تغطية مصاريفهم الأساسية”.
أما مروى صعب، فتؤكد أن “المنصات الإعلامية لا ينبغي أن تكون هي من تحدد الأجور، بل يجب وضع حد أدنى يراعي المخاطر التي نواجهها”. وتضيف: “نحن لا نطلب رفاهية، بل حقوقًا أساسية، كضمان التنقل والتأمين الصحي، خاصة خلال تغطية الحروب حيث يمكن أن نخسر حياتنا مقابل تقرير”.
وقد اعتبرت صعب أنّه “ليس مطلوباً مني كصحفية أن تراعي وضع المنصة بل المنصة مجبرة على تقدير ظروفي و احتياجاتي”. وختمت صعب: “نعم، نحن كصحفيين نحب أن نغطي الحروب لكي نصوّر حقيقة ما يحدث وإجرام العدو، ولكن هذا التعب يجب أن يُقدر”.
هل من حلول؟
يرى نقيب المصوّرين الصحافيين علي علوش أن “الصحافيين المستقلين في لبنان عالقون بين مطرقة غياب القوانين التي تحميهم وسندان استغلال المؤسسات الإعلامية لهم”.
ويضيف: “المؤسسات تعرف حجم الأزمة الاقتصادية وتستغلها لصالحها، حيث تطلب من الصحافيين تقديم أقصى ما لديهم دون أن تقدم لهم أي ضمانات”.
ومع ذلك، أكد علوش أن النقابة تحاول دعم الصحافيين المستقلين عبر إدخال عدد منهم إلى عضويتها، على أمل أن يتضمن قانون الإعلام الجديد بنودًا لحماية الصحافيين المستقلين ومنحهم حقوقهم المشروعة.
وأشار علوش إلى أنّ “الصحافييون المستقلون فعلاً عالقون بين كماشة شديدة وقاسية، لما يتعرضون له من استنزاف، ويُطلب منهم تقديم أقصى ما يمكن، دون أن يحصلوا على أي نوع من الحماية، حتى بعد العمل معهم لمدة عام أو عامين أو ثلاثة، فلا يجدون أي دعم منهم ولا مستعدين لتقديم أي شيء لهم. لا سمح الله، إذا حدث شيء لأي من الفريلانسرز، فهذا أمر في غاية الخطورة، وهو يدل على انهيار جميع المعايير المهنية والإنسانية.
بين المخاطر الأمنية، وغياب الحماية القانونية، والاستغلال المالي، يجد الصحافيون المستقلون أنفسهم في وضع شديد الهشاشة خلال النزاعات. وعلى الرغم من التحديات، يصرّ هؤلاء على مواصلة عملهم في تغطية الأحداث، مدفوعين بإيمانهم بضرورة نقل الحقيقة. لكن السؤال يبقى: إلى متى سيظل الصحافيون المستقلون في الخطوط الأمامية دون شبكة أمان تحميهم؟
تم انتاج هذا التحقيق بدعم من الاتحاد ضمن زمالة التأثير والشبكة الأوروبية على التغطية الصحفية والإعلام، وهذا المحتوى لا يعكس بالضرورة وجهة نظر الاتحاد الأوروبي.