مقالات

لبنان بين الحروب الإقليمية وركام الإهمال: إعادة إعمار هناك… وانتظارٌ هنا

بقلم: الاعلامي سليم ناصر

 

 

بينما  اللبنانيون في الأيام الأخيرة بتحليل نتائج المواجهة الأخيرة بين إسرائيل وإيران، وتتفجّر النقاشات عبر الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي في سباقٍ محموم نحو إطلاق النظريات والتكهنات حول “من ربح الحرب؟”، تغيب عن السردية العامة الحقيقة المؤلمة التي يعيشها أهل الجنوب والبقاع والضاحية وسائر المناطق اللبنانية المتضررة: الحقيقة أنّ الجميع هناك ما زالوا يعيشون تحت الركام، ينتظرون بصمت قراراً قد لا يأتي، بينما الدول المتنازعة ذاتها شرعت في إعادة الإعمار فور إعلان وقف إطلاق النار.

 

ففي الوقت الذي بدأت فيه كلٌّ من إسرائيل وإيران ترميم ما تضرر، كلٌّ وفق منظومته وبنيته التحتية، عاد كل طرف إلى جدول أعماله المحلي وكأن الحرب لم تكن سوى مشهد عابر على المسرح السياسي. بيد أن في لبنان، حيث لم تكن المعركة رسميةً بالمعنى الحرفي، دفع الناس الثمن الأبهظ: أرواح أزهقت، بيوت تهدمت، ومناطق بالكامل غرقت في العتمة والتهميش.

 

يُخيَّل للمراقب أن هذه البلاد تعيش في حلقةٍ مفرغة، حيث تتكرر المآسي وتتشابه الردود، وحيث تنتهي الحرب في الخارج ليبدأ الانهيار في الداخل. ما يثير الألم أكثر هو أن اللبنانيين المعتادين على دفع فواتير النزاعات الإقليمية، لا يجدون بعد الكارثة سوى الوعود المتناثرة والتصريحات الرنانة، بينما تظل البيوت مهدّمة، والقلوب مفطورة، والناس مشرّدة في وطنها، تنتظر قراراً من سلطة لا تملك زمام القرار، أو ربما لا تملك الإرادة.

 

إنّ أبناء الجنوب والبقاع والضاحية وغيرهم ممن تضرروا لا ينتظرون فقط إعادة بناء جدرانٍ من حجر، بل يتوقون إلى أن يشعروا بأنهم ليسوا منسيين. يتوقون إلى دولة تنظر إليهم كمواطنين لا كورقة سياسية أو رقم في ميزان الصراع. هؤلاء لم يخسروا فقط منازلهم، بل خسروا الإيمان بأن لهذا الوطن أذناً تسمع ويداً تمتدّ للمساعدة.

 

من المؤلم أن نرى ما يُبنى هناك يُهدّم هنا، وما يُرمَّم هناك يُهمَل هنا، وما يُقرَّر هناك يُجمَّد هنا. لقد أصبحت إعادة الإعمار في لبنان مشروطة، معلّقة بقرار سياسي معقّد، أو بموازين قوى خارجية، وكأن كرامة المواطن وحقه في السكن والأمان باتا رهينتين لدهاليز التفاوض ومجالس الوصاية.

 

الأكثر وجعاً من الدمار المادي هو ذلك الشعور العميق لدى الناس بأنّ مصيرهم لا يقرره ربّ البيت، ولا رئيس الدولة، بل أطراف خارجيون يقررون متى تبدأ الأزمة ومتى تنتهي. ولذلك، تجد اللبنانيين يرددون بمرارة: “نحن ننتظر قراراً لا يعرف موعده إلا الله.”

 

قد يختلف اللبنانيون في تحليلاتهم، في اصطفافاتهم، في قراءاتهم لمآلات الحرب، لكنهم يتفقون، من حيث لا يعلنون، أن أحداً لا يهتم حقاً بما يعانونه. لا شيء يُبنى في لبنان سوى الصبر، ولا شيء يُرمَّم سوى الآمال المؤجلة. وبينما تعلو الأبراج في دول النزاع، يُعاد تشكيل الذاكرة في لبنان على هيئة خيبات متكررة، ونكبات لا تجد من ينتشلها.

 

فمتى يستفيق هذا البلد من غيبوبته؟ ومتى تتحول النظريات إلى مشاريع، والتحليلات إلى قرارات، والكلام إلى فعل؟ وهل سيأتي يوم يدرك فيه المسؤولون أن الكرامة لا تُعطى بالتصريحات، بل تُبنى على الأرض، حجراً فوق حجر، وحقاً فوق حق؟

 

إلى أن يتحقق ذلك، سيبقى اللبنانيون تحت الركام… لا ينتظرون قرار دولة، بل يتضرعون إلى الله، لعلّه وحده من لا يُسوف ولا يُخلف وعداً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى