إحياء سكة الحديد في صيدا… رؤية لتحويل المساحات المهملة إلى متنفس حضري ومسار للتنمية

كتبت رئيسية لجنة تنظيم المدينة في بلدية صيدا المهندسة براء الحريري:
قد يبدو قطار البربارة السياحي مشروعاً متواضعاً، لكنه يحمل فكرة كبيرة: إنقاذ سكة الحديد من الإهمال والتعديات، وإعادتها إلى حياة الناس، بدل انتظار مشروع ضخم قد يتأخر سنوات.
في التخطيط الحضري الحديث، لا تُقاس قيمة السكك الحديدية بالقطارات التي تسير عليها اليوم فحسب، بل بما تمثّله من ممرات استراتيجية تصل أجزاء المدينة ببعضها، وتحفظ للأجيال المقبلة حقها في شبكة نقل عام مستدامة. لذلك فإن حماية هذه المسارات واستعادة الأملاك العامة المحيطة بها خطوة تخطيطية أساسية، تسبق حتى تأمين التمويل اللازم لإعادة التشغيل الكامل.
وتُظهر تجربة البربارة أن المبادرات الصغيرة تصنع فرقاً حقيقياً. فقد أعادت جزءاً من السكة إلى الخدمة، وشجّعت البلديات على إزالة التعديات، وأحيت الذاكرة الجماعية للقطار، عبر قاطرة صُنعت محلياً وتعمل بالطاقة الشمسية.
وفي صيدا، لا ينبغي النظر إلى السكة بوصفها أرضاً مهملة أو مساحة قابلة للتعدّي، بل كفرصة حضرية وجزء من مستقبل المدينة. والبداية بسيطة: تنظيف المسار، وتحديد حدوده، وحمايته قانونياً. ثم يُؤهَّل تدريجياً على مراحل، فيصبح ممراً أخضر للمشاة والدراجات أو مساراً سياحياً وتراثياً، مع الحفاظ على وظيفته الأصلية وإمكان عودته مستقبلاً إلى خدمة النقل العام.
تخيّل مساراً يربط أحياء صيدا بواجهتها البحرية ومدينتها القديمة ومرافقها السياحية والاقتصادية. مساراً يبثّ الحياة في الأحياء المحاذية له، ويحسّن المشهد الحضري، ويستقطب الزوار والاستثمارات المحلية، ويخفف مع الوقت من اعتماد المدينة المفرط على السيارات. وهنا تحديداً تتجلى قيمته الوطنية: فهو مشروع عام بديل عن الأوتوسترادات التي شقّت المدينة بلا رؤية تخطيطية، فقضمت أراضيها الزراعية والأثرية، وقطعت التواصل بين شرقها وغربها. وإذا كانت المدينة ستحتاج يوماً إلى خط سريع يلبّي حركة النمو، فإن الجواب لا يلزم أن يكون أوتوستراداً جديداً يشطر ما تبقى منها، بل قد يتجلى في خط السكة نفسه، بوصفه بديلاً مستقبلياً يؤدي الوظيفة ذاتها من دون أن يقضم أرضاً أو يقطع حياً عن جاره، ويربط صيدا في الوقت نفسه بالمدن الأخرى، شمالاً نحو بيروت وجنوباً نحو صور، فتصير جزءاً من شبكة وطنية متكاملة بدل أن تبقى جزيرة معزولة. وبدل أن يبقى هذا الشريط عرضة لمزيد من الانقسام، يمكنه أن يصير خيطاً يعيد وصل ما تقطّع من نسيج المدينة.
والمدن لا تنتظر الظروف المثالية لتتغيّر، بل تتقدّم بخطوات مدروسة تتراكم. واستعادة سكة الحديد في صيدا ليست حنيناً إلى الماضي، بل خطوة نحو مدينة أكثر ترابطاً واستدامة، وأكثر حرصاً على أملاكها العامة وذاكرتها. فالسكة التي كانت يوماً شرياناً للحركة، يمكنها أن تصبح من جديد شرياناً للأمل والتنمية.

